|
ما رأيك بطلب اعتقال الرئيس السوداني من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية
الأرجنتيني لويس مورينو أكامبو ؟
- للأسف
قرار كبير ومهم من هذا النوع يعلن عنه المتحدث باسم الخارجية الأمريكية
سين ماكورماك قبل المدعي العام ونحن نعرف أن الإدارة الأمريكية ألد أعداء
المحكمة. أي يخرج تصريح علني له طابع سياسي بما يقضي على البعد الرمزي
للعدالة الجنائية الدولية في هكذا ملف. من الناحية القضائية، تجربة المدعي
العام موضوع انتقاد حاد أيضا لخوفه من تناول ملفات هامة ضمن اختصاص المحكمة
(العراق، الضفة الغربية، أفغانستان، لبنان، غزة)، ولحصر عمله في أربعة
ملفات إفريقية (أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا
الوسطى والسودان). ملف الكونغو رفع لأجل غير مسمى قبل شهر والانتقادات
ازدادت على المدعي العام، فحاول إرضاء الدول الغربية بملف دارفور.
هل يعني ذلك أن دارفور ليست من اختصاص المحكمة؟
- لا،
دارفور من اختصاص المحكمة منذ صدور
قرار مجلس
الأمن الدولي 1593 لعام 2005 (القرار الذي ينص على إحالة الوضع القائم في
دارفور منذ الأول من يوليو 2002 إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية
الدولية). المشكلة أن
استراتيجية المدعي العام قامت بادئ الأمر على التركيز على وزير الداخلية
وزعيم ميليشيا. ووصل به الأمر لطرح مشروع اختطاف أحمد هارون الوزير
السوداني. ثم غّير سرعة القطار نحو القصوى بطلب اعتقال الرئيس السوداني في
نص
يحوي تناقضات ومعلومات غير أمينة أو دقيقة. من المضحك أن يأخذ مثلا تصريحا
للبشير في تعبئة القوات المسلحة يقول فيه "لا أريد أسيرا ولا جريحا في قتال
المتمردين" كدليل على النية المبيتة في الإبادة الجماعية. تصريح من هذا
النوع نسمعه في الخطاب التعبوي لكل حرب. كل يوم نسمع للمسؤلين العسكريين
الإسرائيليين تصريحات من هذا النمط. الإبادة الجماعية مشروع إيديولوجي منظم
ومخطط له في الواقع، للقضاء على جماعة معينة جزئيا أو كليا وليس على
مقاتليها. اللجنة العربية لحقوق الإنسان وأطباء بلا حدود ونخبة من خبراء
القانون الدولي ترى في هذه التهمة مزاودة غير موثقة على المنظمات الحقوقية.
لكن كيف يمكن اعتقال الرئيس السوداني وفق اجراءات المحكمة؟
- إسأل
السيد أكامبو، ميلوزوفيتش لم يعتقل وهو يمارس سلطاته. بل جاء ذلك بعد خروجه
من الحكم عندما سلمه معارضوه الذين صعدوا للسلطة. وأظن أن أحدا لا يفكر
باختطاف البشير أو تسليمه لنفسه لمحكمة لا يعترف عليها. بصراحة، رأيي
الشخصي أن ما نشهده مسرحية ضارة. وهي لا تسمم عيش الحاكم كما يظن البعض، بل
تؤرق كل من ناضل من أجل عدالة جنائية دولية مستقلة ونزيهة. المدعي العام
يمارس الكثير من السياسة والقليل من القضاء. أشخاص مثلي، دافعوا عن ولادة
محكمة جنائية دولية منذ 22 عاما، نجد أنفسنا أمام كراهية شعبية للمحكمة في
إفريقيا والعالم العربي. الاجراءات الاحترازية التي أتخذتها الإدارة
الأمريكية تجعل اليوم من المستحيل محاكمة أمريكي أمام المحكمة الجنائية
الدولية حتى ولو أرسل قنبلة نووية فوق لندن أو القاهرة. السيد أكامبو، رغم
صلاحيته في مباشرة تحقيق من تلقاء نفسه في جرائم من اختصاص المحكمة حصلت
بعد 2002، أي في ملف الجدار العازل والاستيطان والقتل العمد والحصار كون
سكان الضفة الغربية الضحايا نصفهم أو أكثر يحمل الجنسية الأردنية والأردن
صدقت على المحكمة الجنائية الدولية، نجده يلتزم الصمت على الدولة العبرية
ويسير على هدى المثل الشعبي (رحم الله قاضيا عرف حده فوقف عنده).
-
هل يعني ذلك أن لاهاي ومحكمة الحريري لا تختلفان ؟
-لا
مجال للمقارنة بين محكمة ولدت في مجلس الأمن وأخرى خارجه ولو أنها أعطته
صلاحيات. المحكمة الجنائية الدولية حل وسط بين محكمة دولية قوية ودور لمجلس
الأمن. محكمة الحريري هي قرار يقول بأن القضاء اللبناني عاجز عن أداء
مهمته، حتى في ظل حكومة وحدة وطنية. في حين أن القضاء العراقي مثلا قادر
على فعل ذلك، ولو في ظل الاحتلال.. هنا الأمر سياسي أولا وثانيا وثالثا.
ما هو مستقبل العدالة الجنائية الدولية بعد هذه الجعجعة ؟
-
إذا تصورنا أن تطبيق الاختصاص الجنائي في بروكسل أو مدريد أو المثول أمام
المحكمة الجنائية الدولية قد أرّخ لحقبة جديدة بكل معاني الكلمة، فنحن ضحية
تفاؤل مبسط. ففي عالم ينتمي بتقاليده لما قبل الحقبة التي تمثلها المحاسبة
العالمية، سنواجه كل يوم مشاكل أساسية مثل: هشاشة وضع الضحايا وعدم توفر
الحماية اللازمة لهم، قوانين العفو المحلية الكريمة بحق الجناة -كون الدولة
بمنطقها حريصة على نجاة من خدمها (لنتذكر أن المخابرات الأمريكية جلست فوق
رأس القاضي الأمريكي في محكمة نورنبرغ لإنقاذ رؤوس من تعامل مع الجيش
الأمريكي من النازيين)-، فكرة رفض تسليم المجرمين، مبدأ زوال الجريمة
بالتقادم، الحصانة السياسية والدبلوماسية المثبتة في أكثر من نصف دساتير
العالم لأصحاب القرار في الحرب والسلم، مشكلة التعويضات.. أمام كل هذه
المشاكل "العادية" في حقبة الانتقال التي نعيشها، ثمة أيضا مشاكل جيو
سياسية تزيدها تعقيدا: من يتحدث اليوم عن المنظومة الموازية القائمة على
الاتفاقيات الثنائية للإدارة الأمريكية التي تهمش صلاحيات وسقف وامتداد
المحكمة الجنائية الدولية؟ الكل يذكر كيف أصرّت الأطراف الأقوى على ألا
تعتمد المحكمة الجنائية الدولية وحسب على مبدأ القضاء الواقف والقضاء
الجالس، أي الإدعاء العام والمحاماة، بل وضعت بينهما ما يمكن تسميته
بالمقرفص المتربص (أي مجلس الأمن). لكي يكون هناك نوع من "حق الفيتو" في
الوقت المناسب للحؤول دون ذهاب العدالة إلى آخر الشوط الذي سينال بالتأكيد
مقومات الظلم المعاصرة، وليس فقط صغار الحيتان.
23-07-2008 |