European Page

مكتبة فنية

كتب

مقابلات

مقالات

خواطر حقوقية

محاضرات/مداخلات

أبحاث حقوقية

سيرة ذاتية

الصفحة الرئيسية

::::::::ملاحظات في إصلاح القضاء :::::::

 

 

ملاحظات من مداخلة مناع في ندوة المنظمة العربية للمحامين الشباب "إصلاح القضاء في الوطن العربي، ضرورة أم اختيار، المعهد العالي للقضاء،  الرباط 11/7/2008

تشكل قضية إصلاح القضاء المحور الأكثر تعبيرا لحقوق الإنسان، فمن جهة، يقودنا هذا المفهوم باستمرار إلى التاريخ: تاريخ المؤسسات القانونية والتاريخ السياسي للدول. ومن جهة ثانية فهو يظهر الطبيعة التعددية لمفهوم العدالة وعملية استنباط مبادئ عالمية مشتركة في النصف الثاني من القرن العشرين في ظل تفاوت ثقافي وسوسيولوجي وجيو سياسي كبير.

قبل الدخول في الصراع الفكري حول استقلال القضاء في أوربة، أود التعريج على القرن الأول الهجري حيث طرح الحسن البصري(642-728م) فكرة ممارسة العدالة بالتواصل مع الأمة وباستقلال عن الخلافة. وذلك انطلاقا من فكرة مركزية  تقوم على اعتبار العدل المنظم الأول للعلاقات بين الناس وأساس  للملك، اعتبار الأمة كالأسرة حاكمها راعيها، رفض القتل لأن القصاص حياة للناس، تحمل المسئولية في القرار وفي الخطأ.

كان يرفض من حيث المبدأ أي توظيف للدين في السياسة أو غيرها، إلا أنه يفعل المستطاع لمقاومة الفتنة والعنف وللحث على عدالة أكبر مع تأكيد دائم على مفهوم المسؤولية. ولا يمكن لهذه المسئولية أن تتنامى وتنضج برأي الحسن إلا في حال التركيز على إصلاح الذات قبل إصلاح الآخرين: "لا يستحق أحد حقيقة الإيمان، حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه؛  ولا يأمر بإصلاح ذلك من نفسه؛ فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه، فإذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه. فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره، وإنك ناظر إلى عملك بوزن خيره وشره، فلا تحقرن شيئا من الخير وإن صغر، فإنك إذا رأيته سرك مكانه؛ ولا تحقرن شيئا من الشر وإن صغر، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه.".

كره الحسن المناصب الرسمية وحرص على الابتعاد عن المسئولين، وعندما تولى عدي بن أرطأة البصرة قرر تعينه قاضيا، فهرب الحسن واستتر وكتب له من ملجأه الرسالة التالية: "أما بعد! أيها الأمير! فإن الكاره للأمر غير جدير بقضاء الواجب فيه؛ وإن العامل للعمل بغير نية حقيق أن لا يعان عليه. ولك في المحتارين للأمر الذي دعوتني إليه كفاية وقناعة. وقصدك إياهم وتعويلك عليهم أولى بك وأصون لعملك، فإنه لا خير في الإستعانة بمن لا يرى أن العمل الذي يدعى إليه واجب عليه وفرض لازم له. فعافني، أيها الأمير، عافاك الله. وأحسن إلي بترك التعرض لي، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا". فعافاه عدي  وقال: "والله ما كنت لأبتليه بما يكرهه".

بوعي، أو بدون وعي، كان الحسن أول مسلم ينادي باستقلالية الشخصية الاعتبارية عن الدولة وضرورة وجود قوة أخلاقية ودينية في المجتمع لمناهضة العسف والعنف والفساد وضرورة عدم رضوخ القضاء لضغوط جهاز الخلافة. وقد أكد مع تلاميذه، وبشكل خاص منهم مالك بن دينار، أيوب السختياني، محمد بن واسع، وفرقد السبخي وعبد الواحد بن زيد وثابت البناني على البعد عن مناصب الحكم ونقد مفاسد السلطان والدين والناس وممارسة القضاء باستقلالية كاملة عن الخلافة تطوعا.    إن كانت قضية استقلال القاضي قد شغلت حكماء وفلاسفة وفقهاء قانون في كل العصور، فإن علينا انتظار عصر الأنوار الغربي والنهضة البرجوازية-المدنية لتتبع حوار فكري جدير بالكلمة. وقد كان هذا النقاش في صلب قضية دمقرطة مؤسسات الدولة وإقامة العدل وتحديد حقوق وواجبات المواطن. ولعل الأساس الفلسفي لهذا التوجه كان أولا في اعتبار طغيان الدولة نتيجة عادية لتركز السلطات والحكم المطلق ولا يمكن تجنب ظلم الحاكم دون تذرير هذه السلطات أو تقسيمها لإلغاء أية فرادة في تقرير مصير الأشخاص. وثانيا، في محاولة ربط كلمة القانون بالمعنى الإيجابي والبنّاء للكلمة- باحترام الدولة لاستقلال القضاء، باعتبار هذا الاستقلال العمود الفقري لدور القانون.

ومن الجدير بالذكر، أن المثقف والحقوقي الغربي كلاهما قد خاض هذه المعركة أولا ضد تاريخ النظام المطلق في الغرب وفي مواجهة مفتوحة مع أنصار تبعية القضاء للملوك أو رجال الدين. ولأنهم نجحوا في تحقيق هذه القطيعة المنهجية مع تاريخ وإيديولوجية السلطة المطلقة، أصبح بالإمكان التأسيس لمفهوم جديد يقوم على اعتبار استقلال السلطات الثلاث ضمانة مركزية للحرية. وباستعارة تعبير مونتسكيو: "إن الحرية تنعدم إن لم تكن سلطة القضاء منفصلة عن سلطة التشريع لأن حرية أبناء الوطن وحياتهم تصبحان تحت رحمتهما ما دام القاضي هو المشرع. أما إذا كانت السلطة القضائية متحدة مع السلطة التنفيذية فإن القاضي يكون طاغيا".

منذ قرابة قرن، أصبح من شبه الروتيني أن نقرأ في دساتير الدول الأوربية "يشكل استقلال القضاء وحصانته ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات". الأمر الذي أخذ بعدا عالميا واسعا في النصف الثاني من القرن العشرين.

أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) بأسس استقلال السلطة القضائية وقد عرّف الإعلان العالمي لاستقلال القضاء الصادر عن مؤتمر مونتريال في 1983 استقلال القضاء بأنه "حرية القاضي في الفصل في الدعوى دون تحيز أو تأثير أو الخضوع لأية ضغوط أو إغراءات. ويكون القضاة مستقلون تجاه زملائهم وتجاه رؤسائهم وتكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإعادة النظر في الأحكام القضائية من اختصاص السلطة القضائية وحدها، ويحظر إنشاء المحاكم الاستثنائية، ولكل شخص الحق في التقاضي أمام المحاكم العادية، وتنحصر صلاحيات المحاكم العسكرية في الجرائم التي يقترفها عناصر القوات المسلحة مع بقاء الحق دوما في استئناف قرارات هذه المحاكم أمام محاكم استثنائية ضالعة في الشؤون القضائية، ولا رقابة ولا سلطان للسلطة التنفيذية على السلطة القضائية وللقضاء ولاية على كافة المنازعات لا يجوز الحد منها، والقضاة غير قابلين للعزل ويخضعون في تأديبهم لضوابط صارمة، ولا يجوز إزعاج القاضي بسبب عمله، ويحظر على القضاة عضوية الأحزاب السياسية..".

هذا التكثيف الموجز لمبادئ الإعلان تم استكماله في "المبادئ الأساسية الخاصة باستقلال القضاء" الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المذنبين المعروف بإعلان ميلانو (1985) والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13/12/1985. التي تحدد عناصر استقلال السلطة القضائية كما يلي:

تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية.

 تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، وعلى أساس الوقائع ووفقا للقانون، ودون أية تقييدات أو تأشيرات غير سليمة أو أية اغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة كانت أو غير مباشرة، من أية جهة أو لأي سبب.

 تكون للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي كما تنفرد بسلطة البت فيما إذا كانت أية مسألة معروضة عليها للفصل فيها تدخل في نطاق اختصاصها حسب التعريف الوارد في القانون.

 لا يجوز وجود أية تدخلات غير لائقة، أو لا مبرر لها، في الإجراءات القضائية ولا تخضع الأحكام القضائية التي تصدرها المحاكم لإعادة النظر، ولا يخل هذا المبدأ بإعادة النظر القضائية أو بقيام السلطات المختصة، وفقا للقانون، بتخفيف أو تعديل الأحكام التي تصدرها السلطة القضائية.

 ( أ ) لكل فرد الحق في أن يحاكم أمام المحاكم العادية أو الهيئات القضائية القائمة ولا يجوز إنشاء هيئات قضائية استثنائية أو مخصصة تنتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها أصلا المحاكم العادية أو الهيئات القضائية.    (ب) يستثنى من ذلك أنه يمكن السماح ببعض الاستثناءات في حالات الطوارئ العامة الخطيرة التي تهدد حياة الأمة. ولكن بما لا يزيد عن القدر الذي تتطلبه بالضبط مقتضيات الوضع، ولا يمكن العمل بهذه الاستثناءات إلا وفقا للشروط المقررة قانونا وبما يتمشى مع المعايير المعترف بها دوليا.

 يكفل مبدأ استقلال السلطة القضائية لهذه السلطة ويتطلب منها أن تضمن سير الإجراءات القضائية بعدالة، واحترام حقوق الأطراف.

 من واجب كل دولة عضو أن توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة.

رغم الترسانة التي أنجبتها لجنة حقوق الإنسان حول مقومات وضمانات استقلال القضاء، مازال هذا الاستقلال مجرد كلمة واردة في الدساتير لأكثر من ثلثي سكان المعمورة. ويعاني المدافعون عن هذا الاستقلال من سد عارم متعدد الأشكال يتداخل فيه الإيديولوجي بالمجتمعي والسياسي بالإعلامي. وما يزيد القضية تعقيدا، أن النضال من أجل سلطة قضائية وليس مجرد وظيفة في القطاع العام، يتطلب مجتمعات حرة وأفراد أحرار قادرة على مراقبة نزاهة وحياد أداء القاضي ومؤسسات تضمن إغناء فقهيا ومعرفيا يضيف إلى حكمة الممارسة حكمة المعارف.

إن أول عوائق إصلاح القضاء إزمان السلطة التنفيذية وغياب مبدأ التداول الانتخابي على الحكم. الأمر الذي يجعل الجهاز القضائي أسير مجموعة حاكمة تسعى لتوظيف مختلف السلطات لخدمتها دون رقيب أو حسيب. والنتيجة الأولى لهذا ظهور طبقة من المشرعين والحقوقيين المحترفين  في انتهاك المعايير الدولية والتلاعب عليها من أجل توظيف القضاء في خدمة المجموعة الحاكمة. وكما أن هناك من يطالب بقوائم لمن مارس أو أمر بممارسة التعذيب، نعتقد بضرورة وجود قائمة سوداء بأسماء هذه الفئة التي تخدم مباشرة الظلم والاستبداد على حساب سمعة القضاء ونزاهة المهنة. 

أما ثاني العوائق، فهو يكمن في تقزيم السلطة القضائية عبر تحديد صلاحيات القضاء العادي باللجوء إلى القوانين الاستثنائية من جهة، واستثناء قطاعات حاكمة من فضاء السلطة القضائية.

وثالث العوائق، يكمن في انتشار ظاهرة تعدد المرجعية القانونية في المجتمع حيث في العديد من المجتمعات مازالت سلطة العرف أقوى من قرار القاضي، ودية الدم تسبق المحكمة أو تواكبها. هذه المشكلة تحرم القضاء من مناصرة قطاعات في المجتمع لم تعترف بعد أو تشعر بضرورة الاعتراف بسلطة قضائية مستقلة.

ورابع العوائق أن العديد من البلدان لا تعترف بالقضاء كسلطة (نحن في المغرب الذي وزعت وزارة حقوق الإنسان فيه مجانا ما يتعلق باستقلال السلطة القضائية ولكن لا يعتبر القضاء فيه سلطة) وبالتالي نحن دون التوازي في الفعل بين المؤسسة القضائية والسلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا بد من حل هذه المشكلة بالتعديلات الدستورية الضرورية.

وإضافة إلى السلطات القديمة (العرف، الحاكم، المشرع) هناك سلطات جديدة تؤثر على نزاهة القضاء وقدرة القاضي على اتخاذ قرار عادل ومستقل في العديد من البلدان مثل سلطة الأعلام وقوة الرأي العام وضغوط التجمعات المصلحية (اللوبيات). وكون القاضي والمحلف والنائب العام من البشر فهم يتعرضون لأشكال الضغوط الجديدة هذه. وهناك أمثلة مختلفة من بلدان عديدة توضح أهمية وخطورة هذه الأشكال الجديدة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يولد الخوف العام للأهالي من الجنوح عند الأطفال والمراهقين تيارا عاما يدعو للصرامة في معاقبة الأطفال، ونجد القضاة في أحيان عديدة يخضعون لهذه الضغوط على حساب الحقوق الأساسية للطفل. في حين في مصر لاحظنا تأثير الأفكار الإيديولوجية للقاضي على قضايا هامة. وبالمقابل، هناك حالات كان للإعلام فيها أثره الإيجابي كما كان الحال في محاكمات الفساد السياسي في إيطاليا التي نجحت في زعزعة العقلية السياسية والحقوقية التقليدية في هذا البلد.

جاءت الحرب على الإرهاب ضربة في الصميم في صدر هذا التقدم العالمي على صعيد إقامة العدل واستقلال القضاء وطنيا وإقليميا ودوليا. فقد صدر على الصعيد العالمي 26 قانون لمناهضة الإرهاب، بعضها مثل قطر أو المغرب سبق فيها مناقشة مسودة المشروع أي عمل عنفي في البلد. بحيث صارت منطقتنا أسيرة القوانين الاستثنائية بين قوانين حالة الطوارئ وقوانين مناهضة الإرهاب. وعزز ذلك انتشار مربع التراجع في دولة القانون في الغرب (قوانين جديدة لمناهضة الإرهاب، السجون السرية، سجن غوانتانامو، القوائم السوداء). الأمر الذي سهل التجاوزات في باقي دول العالم. للأسف تظهر الاحصائيات المتوفرة أن أكثر من 70 بالمئة من المعتقلين والمحالين للمحاكم في جرائم مناهضة الإرهاب لا يوجد فيها فعل إرهابي أو تآمر أدى لفعل. هذا إذا لم نتحدث عن بلدان لم يقدم فيها سوى نسبة صغيرة من السجناء للقضاء، كالسعودية مثلا. أما الجرائم السياسية في سورية فأكثر من 95% منها كان أمام محاكم استثنائية رغم تبعيث الجهاز القضائي في أكثر من 70%، وقد طلعت علينا مصر أخيرا بالقضاء العسكري الموازي لتهميش القضاء العادي وكأن التراجعات الدستورية في قضايا الحريات لا تكتمل دون سيف في صدر القضاء المصري.

قبل أن أنهي مداخلتي، أود التطرق لبعض أشكال الحماية القضائية التي ما زالت مفعلة على الصعيد الإقليمي والغائبة في منطقتنا العربية.

1) الحماية القضائية لحقوق الإنسان:

 هناك فقط اتفاقيتان إقليميتان ( الأوربية والأمريكية) تنظمان الرقابة القانونية لاحترام الدول الأطراف الحقوق والحريات التي تشملها الحماية الواردة في الاتفاقية. فتطبيقا لكلا الاتفاقيتين، يمكن للأفراد والدول تقديم طعون تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان من قبل الدول الأعضاء أمام كل من المحكمة الأمريكية والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان.

 وينجم عن هذا الإجراء، أحكام تصدر فيما يتعلق بموضوع الدعوى وهي ذات طابع إجباري للدول المدانة. والغاية من القرار الصادر هي أولا تقرير فيما إذا كان قد وقع انتهاك للحق أو للحرية المحمية بالاتفاقية. ولكن ليس لهذا الحكم الأهلية لإبطال القانون الوطني، أو إلغاء الإجراء المتخذ أو كسر القرار الداخلي موضوع الخلاف. ويعود للسلطات الوطنية معالجة أمر الانتهاك الواقع. فقد تعهدت الدول الأعضاء بالالتزام بقرارات المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في الخلافات التي تتعلق بها (لمادة 46 فقرة 1 من الاتفاقية الأوربية). في حين أن إقرار المحكمة الأمريكية بوجود مظلمة، يجعلها تطالب الطرف الذي أوقع الضرر بضمان الحقوق والحريات المنتهكة (المادة 63 فقرة 1 الاتفاقية الأمريكية) ويمكنها استعمال هذه الصلاحية بأن تطالب مثلا الدولة بالإفراج عن شخص معتقل.

 من حيث المبدأ، فإن القرار المتخذ من هاتين المحكمتين لا يلزم إلا الأطراف التي يشملها النزاع، ولا تصلح إلا لهذه الحالة. ومع هذا، ففي الممارسة، فإن للقرارات المتخذة من المحاكم الدولية لها صدى وقوة أكبر، لأنها تسمح بتوضيح وحماية وتطوير الحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات. وهي تحث الدول على تعديل تشريعاتها وقواعدها الوطنية لتكون منسجمة مع متطلبات الاتفاقيات وتجنب شكاوى جديدة وقرارات إدانة جديدة. إضافة لذلك، فإن الفقه الدولي يلهم الفقه الوطني ويرجح التفاسير والمقاربات المشتركة لحماية الحقوق والحريات في مختلف البلدان.

 إذا لم يكن القانون الداخلي يسمح، أو لم يكن يسمح بشكل مناسب بوضع حد لنتائج الانتهاك، فإن للمحكمتين الأوربية والأمريكية السلطة في منح الطرف المتضرر تعويضات عن الأذى الواقع. ويكون هذا التعويض في صيغة دفع الدولة المدانة لغرامة يمكن أن تغطي تكاليف الدعوى والتعويض النقدي عن الأذى المادي أو الاعتباري الذي سببته المظلمة.

د 2) الحماية شبه-القضائية لحقوق الإنسان:

 هذه الآليات تسمح للدول والأفراد بشجب انتهاك حقوق الإنسان من قبل بلد بإصدار بيانات وعرائض من قبل هيئة مختصة للمراقبة من أجل التعريف بها. هذه الإجراءات، التي غالبا ما تعتمد على نص اتفاقية، لها طابع شبه-قضائي أو شبه قانوني. وحين تتبنى الهيئة الدولية بينات يمكن أن تثبت وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان من قبل الدولة المعنية يمكن أن توجه لها توصيات  من أجل إصلاح ذات البين ووضع حد للانتهاك. فإن القرارات النهائية المتخذة من الهيئات الدولية في إطار هذه الإجراءات لا تملك قوة الإلزام تجاه الدول وليس لها سلطة حكم صادر.

في إطار دراسة البيانات الواردة لها، والقرارات المتخذة، في نطاق الأمم المتحدة من قبل لجنة حقوق الإنسان ولجنة إلغاء التمييز العنصري ولجنة مكافحة التعذيب يمكن اعتبار هذه القرارات ذات طابع شبه قضائي، كذلك هو الحال بالنسبة للتوصيات المقدمة من منظمة العمل الدولية. وينطبق الأمر، على الصعيد الإقليمي، على اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب واللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان.

د 3) الحماية غير القانونية لحقوق الإنسان:

يمكن القول أن هذه الإجراءات في معظمها ذات طابع غير مرتبط باتفاقية أو عهد. وهي تتيح للأفراد ومجموعة الأشخاص والمنظمات غير الحكومية فرصة توجيه مداخلات للهيئات الدولية لإعلامها بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. وفي بعض الحالات، المطالبة بالتدخل لدى السلطات المعنية بالانتهاك. هذه الإجراءات ذات الطابع غير القضائي لها تأثيرات مختلفة، ولكنها لا تؤدي إلى قرارات صادرة عن الهيئات الدولية تسمح على الأقل بممارسة الضغوط على الحكومات المعنية.

على الصعيد العالمي، هذه المداخلات ممكنة لدى المقررين الخاصين وفرق العمل، الذين بإمكانهم التدخل لدى الدول المعنية. من جهة ثانية، يمكن للمراسلات الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن تدرس من قبل لجنة حقوق الإنسان في نطاق الإجراء 1235 و 1503 عندما يتم رصد انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. ومن الضروري ملاحظة أن هذين الإجرائين لا يشكلان منظومة مقاضاة فردية وليس الغرض منهما حل النزاعات الخاصة، وإنما دراسة أوضاع الانتهاكات الجسيمة ذات الطابع العام. ومن وجهة النظر نفسها، يمكن تقديم مداخلات تدرسها لجنة أوضاع المرأة. وعلى الصعيد الإقليمي، فإن آليات العرائض المقدمة للبرلمان الأوربي والمجلس البرلماني للمجلس الأوربي لها طابع غير-قضائي.

من أجل عدم الوقوع في حالة نزع الأوهام، ولضمان الفاعلية والاستقلال، يجب أن يكون المدافعون عن حقوق الإنسان، وخاصة منهم أعضاء المنظمات غير الحكومية والحقوقيين، على وعي تام بحدود المنظومة الدولية لحماية حقوق الإنسان وتناقضاتها. لأنه بدون التدخل الفاعل للمجتمع المدني، فإن الحماية الدولية لحقوق الإنسان ليست أكثر من خديعة leurre. إن واجب المنظمات غير الحكومية أن تقوم باستمرار بدور فاعل من أجل وضع هذه الآليات بشكل مؤثر وتطويرها وإصلاحها من أجل أن تكون أكثر فاعلية وتأثيرا في خدمة حقوق الأفراد والأقليات والشعوب.

----------------------------  

عودة

 

مراسلة الدكتور هيثم مناع

all rights reserved to Dr. Haytham Manna ®12/10/2006

مراسلة إدارة الموقع